قصص وحكايات

رِحْلَةٌ فِي قَلْبِ الصحْرَاء(الحلقة الثانية)

وُصُولُ الرحَالَةِ إِلَى القَبيْلَة

 

 

وُصُولُ الرحَالَةِ إِلَى القَبيْلَة

 

ما هي إلا دقائق معدودات حتى اقترب الضيف من القبيلة فوجد الرجال والنساء واقفين بكل أدبٍ واحترام ترحيباً به وبقدومه، فظنّ حينها أنه وجد ضالته التي يُنشدها، وأنّ فريسته ستكون سهلة المنال حيث شعر بأنّ أهل القبيلة بسطاء يسهل الكذب عليهم والإستحواذ على قلوبهم وأخْذِ ما في جيوبهم دون أي عناء، وكان واهماً في ظنه لأنّ المظهَر لا يكشف عن الجوهر في الكثير من الأحيان، فقد رأى شيئاً وغابت عنه أشياء.

وقبل أن يتكلم كبير القبيلة مع الضيف دنا الرجل الذي استقبل الضيف عند البئر وأخبر كبير القبيلة بما شعر حيال الضيف الغريب الذي كانت أسئلته كاشفة عن شيء من نواياه، فنهره الكبير وقال له: لا تحكُم عليه بشيء حتى نعلم أمره، وليس من عاداتنا أن نُثقل على ضيوفنا أو نطرح عليهم أي سؤال قبل أن نقوم بواجب الضيافة معهم، أليس كذلك يا بُني؟ فطأطأ الرجل رأسه خجلاً، ثم تقدم الكبير وصافح الغريب ودعاه إلى الدخول، وقد شعر بنفس ما شعر به الرجل، ولكنه كتمها في نفسه ليعلم الخبر اليقين.

وكان الضيف رحّالة من بلاد الغرب، وكانت وظيفته تشجيع العرب على ترك عاداتهم والتخلي عن قِيمهم ومعتقداتهم بل والخروج من ديارهم دون عودة بأساليب ترغيبية شيطانية يُمكن أن تؤثّر على عقول الشباب بسهولة، وكان هذا الغريب المُريب أحد زبانية ملوك الغرب الذين اعتادوا على تفريق الأمم واضطهاد الشعوب وضَرْبِ الأخلاق للسيطرة عليهم من دون كلفة أو عناء، وللمحافظة على مصالح بلادهم في آنٍ واحد، وقد سمع هذا الضيف بالصدفة عن استقامة تلك القبيلة وأهلها وتمسُّكهم بالدين والعادات العربية، فأراد أن يدمر نفوس أهلها لتسهل السيطرة عليهم عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، وكان يحمل في جعبته أكثر من مخطط لتدميرها.

وأثناء اصطحاب الكبير له إلى خيمة الضيوف أراد(الضيف) أن يقوم بجولة في القبيلة، فمنعه الكبير قبل أن يأكل ويستريح مبيّناً له أنّ ذلك مخالف للعادات والتقاليد فبُهت وتابع السير نحو الخيمة المخصصة له.

وبملاحظة صلابة الكبير وكيفية احترام أهل القبيلة له أدرك الرحالة صعوبة المهمة التي أتى من أجلها، ولكنه كان مضطراً للمتابعة علّه استطاع أن يتغلب على كبير القبيلة بدهائه الغربي.

وكان من أهدافه أيضاً أن يضم تلك القبيلة إلى سجل اكتشافاته، وأن يُكتب له الفضل في الهيمنة عليها وفي نقلها من مرحلة التخلّف والرجعية إلى عالَم التحضّر والتمدن حسب اعتقاده، وخصوصاً أنه أول رحالة غربي تطأ قدماه تلك الأرض.

 

 

بِدَايَةُ الشقَاء لِلقَبيْلَة

 

كان قدومه إليهم بداية الشقاء لهم، وسببَ زوال الأخلاق عند الكثيرين منهم، لأنه في الحقيقة شيطان بصورة إنسان ككثيرين ممن أسرتْهم الشهرة وقتلهم الطمع وسيطر عليهم الجشع والكراهية، فلم تر تلك القبيلة المصائب، ولم تُصبْ بالمتاعب إلا بعد حلول هذا الرحالة أرضهم بعد بحثٍ منه استمر لسنوات.

لقد وصل إليهم وحلَّ ضيفاً عليهم زلم يكن أهلاً للضيافة ولا موضعاً للتكريم لأنّ نواياه تجاههم كانت سيئة جداً، وكان دخوله عليهم كصاعقة مُحرقة نزلت من السماء فأحرقت الأخضر واليابس.

لقد قاموا بإكرام وفادته، فنحروا الإبل لأجله، وذبحوا النعاج على شرفه، وأعدوا  الولائم احتفالاً بقدومه، ونصبوا له خيمة واسعة في أعلى موضع من القبيلة للتعبير عن علوّ مقامه فيهم، ووضعوا فيها أسرّة مريحة وأوانٍ نحاسية لا يستعملها إلا الضيوف خاصةً، فأكل حتى شبع، وشرب حتى ارتوى، ولم يسأله أحد عن اسمه وسبب قدومه، ولا من أين أتى ولماذا جاء، وهو يعرف شيئاً عن عادات العرب الذين لا يسألون الضيف عن حاجته إلا بعد مضي مدة من وقت وصوله، وبقيت الأطباق اللذيذة والفاكهة الطيبة تصل إلى سريره مدة ثلاثة أيام حتى خرج من خيمته باختياره في اليوم الثالث، ولو أنه بقي لأشهر لَما كلّمه أحد حتى يخرج، فوقف على باب خيمته يراقب حركاتهم وينظر إلى تصرفاتهم، ويُمعن النظر في طريقة عيشهم، وقد دوّن في قرطاسه كل ما رأى وسمع، وبينما هو واقف يكتب وإذ بشاب يأتيه بطعام الفطور فانحنى أمامه تكريماً له، ولكنّ الضيف الغربي لم يباطل الشاب بالإحسان بل عامله كما يتعامل مع العبيد في بلاده، حيث طلب منه أن يضع الطبق على الطاولة، فدخل الشاب الخيمة دون أن يتفوه بأية كلمة وخرج، فاستوقفه الرحالة وسأله عن مكان خيمة الكبير فدلّه عليها فذهب إليه ودخل خيمته دون إذن مسبق حتى يرى طريقتهم في التعامل مع الغرباء على حقيقتها، فقام الكبير احتراماً لضيفه، ورحّب به أشد ترحيب، وأجلسه على وسادة مرتفعة وهي المكان الذي يجلس فيه الكبير عادة، وراح الرحالة الخبيث ينظر إلى الأغراض الموجودة في خيمة الكبير، وقد أدهشه المنظر، فقد كانت كلها ثمينة ونفيسة يمكن لثمن أية قطعة منها أن تشتري بيتاً كبيراً في مدينته، فتحرك بداخله الشعور بالطمع، وبدأ يفكر بطريقة يستولي بها على تلك النفائس، فكان الكبير يكلمه وهو لا يلتفت إليه، حيث كان مشغولاً بالنظر إلى الكنوز التي لم ير مثلها في جميع رحلاته الإستكشافية، ولم يعلم بأنها إرث القبيلة، وأنهم لا يستغنون عن قطعة منها لأنها بالنسبة لهم رموز مجد وكرامة، وقد جرى بينهما حديث عادي، أما ما خرج عن العادة فسؤال الرحالة للكبير عن ثمن تلك القِطع، وكان كلما سأل عن ثمن قطعة أجابه الكبير بقوله: لا أعلم: فظنّ الرحالة بأن الكبير لا يعلم قيمة ما يقتنيه في خيمته، ولكنّه أجّل الحديث عن هذا الموضوع كيلا يُلفت انتباه الكبير إلى قيمة تلك القطع فيمتنع حينها عن إعطائه شيئاً منها.

وبعد مضي أكثر من ساعة طلب الرحالة من كبير القبيلة الإذن بالإجتماع مع أهل قبيلته رجالاً ونساءاً، كباراً وصغاراً، فلم يرفض طلبه، بل وافق على الفور رغم كونه طلباً غريباً لا يطلبه الضيوف عادة، ولم يسأله عن السبب احتراماً له ولقدومه، بل أرسل إلى أهل قبيلته شاباً من قِبله ليدعوهم إلى خيمة الضيف بعد المغرب.

فعندما رأى الرحالة تلك السهولة في تنفيذ طلباته بدأ بتنفيذ خطته لظنّه بأنه أمِن جانبهم، فاستأذن من الكبير ورجع إلى خيمته حتى يحين موعد الإجتماع، فطلب الكبير من خادمه اصطحاب الضيف إلى خيمته فرفض الضيف ذلك وقال له: لا أريد أن أتعبكم معي، فأنا أعرف طريق الخيمة، فنزل الكبير عند رغبة ضيفه، وهو يعلم حقيقة ما يدور في ذهنه حيث علّمته التجارب في رحلة حياته الكثير من الدروس، وراح يمشي بين الخِيم، وأهلُها يرحبون به عن اليمين وعن الشمال، وكان يُمعن النظر في الخيام علّه يجد عند أحدهم قطعة نفيسة مثل التي شاهدها في خيمة كبيرهم فيأخذها منهم حياءاً، ولسوء حظه لم يصادف شيئاً حتى وصل إلى خيمته فدخلها وهو يرسم خريطة في ذهنه للإنقضاض على تلك الثروات الهائلة التي لا يعرف قيمتها الكثيرون حتى من أصحابها.

وفي ليلة ذلك اليوم اجتمع أهل القبيلة أمام خيمة الضيف نزولاً عند رغبته وهم يُعظّمونه كضيفٍ قاموا بواجبهم الإنساني تجاهه، وكان قد حمل كل واحد منهم هدية متواضعة قدموها له، أما هو فلم يكن محل إكرامهم، ولم يبادلهم الطيبة إلا ظاهراً حتى يصل إلى مراده، ولم يحترم إنسانيّتهم ولم يعبأ بإكرامهم له حيث أعمى الطمع بصيرته، بل كان ينظر إليهم متعجباً من سلوكهم الذي لم ير مثله في بلاده المتحضرة.

تأليف: الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى